لماذا نتعلم؟
لماذا نقضي سنوات من حياتنا في التعلم؟ وما الذي نريده حقًا من العلم؟
لماذا نتعلم؟
عزيزي الطالب، عزيزتي الطالبة، لماذا نتعلم؟
حين نسأل باستخدام «لماذا؟»، فنحن نسأل عن أحد أمرين: أولهما الدافع، والثاني الغاية. فإذا اتفقنا على ذلك، فإننا نتفق معًا على أن التعليم فعل غائي.
وعليه، فإننا نرى الكثير من طلبة المدارس والجامعات وقد أقبلوا على التعليم لأنه المقصد المعنيّ به، فإذا كان قد دفعهم إليه دافع، فلا بد أن تكون لهم من ورائه غاية، أليس كذلك؟
فاسأل نفسك الآن، وأنت تقرأني، عزيزي الطالب: «ما الدافع الذي دفعني، وما زال يدفعني، إلى أن أمضي اثنتي عشرة سنة في المدرسة، تزيد عليها سنوات الجامعة إن كنت طالبًا جامعيًا؟ وما غايتي؟».
إذا لم تجد جوابًا صادقًا في الحال، أو كان الجواب سقفه لا يناطح السحاب، فهيا أكمل معي.
للمحاولة في الإجابة عن هذا السؤال الصعب، بحثت فيه سنوات عديدة، لكنني لم أجد جوابًا كافيًا، شافيًا، مقنعًا لي أنا كمعلم، أحرك قوافل من الطلاب، وقد ضلّت بعضها الطريق، ومنها ما توقف، مع يقيني الكامل بوجوب دافعيتهم وعِظم غايتهم.
ولأني محب للعلم، وتخصصت في علم الكمبيوتر والفيزياء، فقد تعمقت في البحث، حتى خلصت إلى أن هناك طريقتين للإجابة:
الأولى: أن تكون واقعيًا في السؤال: لماذا يتعلم الناس بالفعل؟
والثانية: أن تكون تنظيريًا، فتبحث: لماذا ينبغي أن يتعلم الناس؟
وبين الواقع والمأمول أفكار وأحلام ومسافات.
دعني أولًا أسهّل عليك الأمر، بأن أكون واقعيًا في السؤال، فتكون الإجابة أن أكثر الطلبة يتعلمون دون وجود الدافع القوي الذي يحرك الرغبة ويحفزها، وإنما هو عمل يجاري العادات، مرهون بعجلة الحياة، وخاصة في مرحلة المدرسة.
ولكن مجموعة أخرى توفرت لها عوامل مختلفة؛ كأبوين كانا مصدر الإلهام والطموح، أو ربما قست الحياة، فحرّكت في الطفل دافع الانتصار، فكان سلاح العلم أقرب إلى الوسيلة.
وهنا نلاحظ أن شظف العيش قد يكون للعلم أقرب من رخائه.
إذاً، نستطيع القول إن واقع كثير من الطلبة في طلب العلم هو اعتيادٌ يرضي أولياءهم، أو غايةٌ تتمثل في الارتقاء المادي والاجتماعي والحصول على وظائف أفضل.
ولكن هيا بنا الآن ننظر ونبحث عن الأهداف الحقيقية التي من أجلها ينبغي أن يتعلم الناس.
إنها أهداف عديدة، منها ما ذكرناه مسبقًا في جوابنا الواقعي، ولكنه ليس أولها. ومحاور الأهداف متنوعة بين أهداف شرعية، واجتماعية، وأسرية، وصحية، ومالية.
فتعال معي أيها الطالب، وتمسّك بها أو ببعضها، لتكون لك غايات تحرك قوتك الخفية، فتكتشف ما أخفيت من طاقات، وتنال بها قمم الجبال.
لماذا ينبغي أن نتعلم؟
والآن، بعد أن نظرنا إلى واقع الدافع إلى التعلم، دعنا ننتقل إلى السؤال الأهم: لماذا ينبغي للإنسان أن يتعلم؟
الهدف الشرعي
إن دين الإسلام، وجميع الأديان السماوية، جاءت تحث على طلب العلم، موضحة فضل العالم ومكانته.
قال الله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ﴾.
ونحن نعلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر الناس بالتعلم وحثّ عليه في كثير من أحاديثه، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم: «إن العالم ليستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر وحتى الطيور في أعشاشها».
وقوله صلى الله عليه وسلم: «فضل العالم على العابد كفضلي على أدناكم».
وقد فضّل الله تعالى الذين آمنوا والذين أوتوا العلم درجات، وبيّن أنه لا يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون.
فالمسلم الحق يعلم أنه لن يستطيع السير إلى الله تعالى، ولن يصل إليه، إلا بالعلم. وإن كان العلم الديني أعلى المنازل، فقد أجمع العلماء على أن العلم الدنيوي يدخل معه في الفضائل.
الأهداف الاجتماعية
أولًا، أنت سفير لوطنك أينما كنت، ولوطنك الثاني إن كنت مغتربًا، والعلم سلاح السفراء، ويُعد ركيزة أساسية في بناء الوطن وتعزيز قوته الاقتصادية. كن منتجًا لوطنك، فالعلم يجعلك شريكًا في بنائه، لا مجرد مستهلك لخيره.
ومن الأهداف الاجتماعية لطلب العلم:
- المكانة العليا في المجتمع.
- الفهم العميق لأمور الحياة.
- سمو لغة التعامل بين الناس.
- خدمة المجتمع في مجالات العمل المتنوعة؛ فكن ملكًا في مجالك، ولن تكون ملكًا إلا إذا كنت أميرًا للعلم في مدرستك.
- المساهمة في بناء المستقبل، فمعايير المستقبل في تغير دائم.
الأهداف الأسرية
تتمثل الأهداف الأسرية لطلب العلم في بناء جيل واعٍ، وترسيخ القيم الأخلاقية والدينية، وتحقيق الاستقرار والتمكين المجتمعي.
وتسعى الأسرة، من خلال توجيه أفرادها إلى التعليم، إلى خلق بيئة متوازنة قادرة على مواجهة تحديات العصر، وفهم الدين والحياة فهمًا صحيحًا.
فالعلم لا يغير حياة الفرد وحده، بل يمتد أثره إلى أسرته. فكل إنسان يتعلم ويكتسب وعيًا ومعرفة جديدة، يستطيع أن ينقل أثر ذلك إلى أسرته، وأن يكون أكثر قدرة على تحمل المسؤولية، وتربية أبنائه، واتخاذ القرارات التي تصنع مستقبل الأسرة.
ومن هنا تأتي الأهداف التربوية والأخلاقية لطلب العلم، ومنها:
- غرس مكارم الأخلاق والآداب الإسلامية في نفوس الأبناء.
- تعزيز الارتباط بالله من خلال فهم العلم كعبادة وطريق إلى الجنة.
- حماية الأبناء من الانحرافات الفكرية والسلوكيات الضارة.
- بناء الشخصية المتوازنة التي تجمع بين العلم النافع والعمل به.
كما يسهم التعليم في تحقيق التماسك الأسري، ورفع المستوى الثقافي والوعي العام، وتمكين أفراد الأسرة من الاعتماد على أنفسهم ومواجهة متطلبات الحياة، وإعداد أجيال صالحة تخدم المجتمع وتسهم في تطوره واستقراره.
الأهداف الصحية
العلم لا يساعدنا فقط على فهم العالم من حولنا، بل يساعدنا أيضًا على فهم أجسادنا وحمايتها.
فالمعرفة الصحية تمنح الإنسان القدرة على الوقاية من كثير من الأمراض، وفهم أساليب التغذية والنظافة والعادات الصحية، وتجنب السلوكيات الضارة كالتدخين والإدمان والسهر وسوء التغذية.
كما أن التعلم المستمر ينشط القدرات العقلية، ويساعد الإنسان على التعامل مع المشكلات والضغوط بصورة أكثر وعيًا، ويمنحه قدرة أفضل على اتخاذ القرارات التي تحافظ على صحته النفسية والجسدية.
الأهداف المالية
ولا يمكن أن نتجاهل الجانب المالي من أهداف التعلم.
فالعلم والمعرفة والمهارات المتخصصة تزيد من قدرة الإنسان على دخول سوق العمل، واختيار المجال المناسب له، وتطوير نفسه، وفتح أبواب جديدة أمامه، سواء من خلال الوظيفة أو العمل الحر أو تأسيس المشاريع.
كما أن التعليم المالي يساعد الإنسان على إدارة دخله بصورة أفضل، وفهم احتياجاته، والتخطيط لمستقبله، وتجنب كثير من القرارات المالية الخاطئة.
وهكذا لا يكون العلم مجرد وسيلة للحصول على دخل، بل يصبح وسيلة لبناء الإنسان القادر على إدارة حياته وموارده واتخاذ قراراته بوعي.
وفي النهاية...
في النهاية، قد تختلف دوافعنا إلى التعلم، وقد تختلف غاياتنا، وقد يختار كل واحد منا طريقًا مختلفًا، لكن شيئًا واحدًا يبقى ثابتًا: أن الإنسان الذي يتوقف عن التعلم يضيّق حدود عالمه، بينما الإنسان الذي يستمر في التعلم يوسع آفاقه، ويكتشف نفسه، ويفهم الحياة من حوله، ويصبح أكثر قدرة على صناعة مستقبله وخدمة من حوله.
لذلك، لا تجعل دراستك مجرد سنوات عليك أن تنهيها، ولا تجعل شهادتك هي الغاية الوحيدة التي تسعى إليها.
تعلم لأنك تريد أن تعرف، وتعلم لأنك تريد أن تفهم، وتعلم لأنك تريد أن تصبح أفضل، وتعلم لأن في داخلك قدرات ربما لم تكتشفها بعد.
وقد لا تعرف اليوم إلى أين سيقودك علمك، لكنك بالتأكيد لن تعرف ذلك إذا توقفت عن السير.
فالسؤال الحقيقي ليس: «كم سنة درست؟» ولا: «كم شهادة حصلت؟»
بل السؤال الأهم:
ماذا صنع العلم مني؟ وماذا سأصنع أنا بما تعلمت؟
يسعدنا أن تتعرف على برنامج نجوم الثاني عشر
كما يسعدنا أن تتعرف على برامج طلاب المدارس في دولة الإمارات، وأن تكون معنا في رحلة النجاح نحو التفوق وتحقيق أهدافك.








